نخبة من الأكاديميين

817

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الفصل الثالث : المرحلة الثانية من علم الفلك العربي رأينا أنّ الأعمال في علم الفلك بقيت حتى نهاية القرن الحادي عشر ، في إطار النظام المرتكز على مؤلّفات بطلميوس . ورأينا على سبيل المثال ، أنّ عالماً ذي مكانة عالية كالبيروني ، حافظ على مخططات الحساب هذه ، وجعلها في غاية الكمال ، ولكنّه مع ذلك رأى جميع أخطائها . لم تتوفَّر لأحد في ذلك العصر وسائل ابتكار مخططات أخرى . الّا أنّ أحد معاصري البيروني ، وهو ابن الهيثم ( المتوفّى بعد العام 1040 في القاهرة والذي عُرِف في الغرب اللاتيني باسم Alhazen ) ، تناول مجدَّداً مسألة عدم التلاؤم بين المخططات التي اقترحها بطلميوس وبين النتائج التي حصل عليها علماء الفلك العرب ، هذا التباين الذي كان يتزايد تدريجيّاً مع تزايد الأبحاث منذ القرن التاسع . كان ابن الهيثم عالماً كبيراً في الرياضيات ، وعالماً في الفيزياء ، جدد كلياً مفهوم علم المناظر ( البصريات ) . وضع ابن الهيثم كتاباً عنوانه " الشكوك على بطلميوس " ، تضمّن مراجعة نقدية شاملة لللأبحاث في علم الفلك التي جرت في القرنين السابقين لعصره ، وتأكّد أنّ النظام الذي اتّبعته هذه الأبحاث لم يعد يإمكانه الاستمرار . كانت حججه رياضيّة ومرتبطة بوصف الكون في آن واحد ؛ ومن خلال تركيزه القوي على نموذج القمر ، قال إنّه لا يُعقَل أن يكون لنظام بطلميوس وجود حقيقيّ في السماوات ، وإنّ هذا النظام معقّدٌ للغاية وإنّه لا يعرض الواقع ، لذلك ينبغي العثور على نموذج آخر . . . لقي مؤلَّف ابن الهيثم صدىً كبيراً للغاية وانتشر من الشرق إلى الغرب على امتداد العالم الناطق باللغة العربية . وهو لا يتضمن أجوبة يقترحُها ، بل نقداً بحتاً . يعرض ابن الهيثم ببساطة ملفاً مع برنامج أبحاث للعلماء الذين سيأتون من بعده ، يتمثل بإعادة تناول المسألة من الصفر لابتكار نموذج آخر للكون أكثر توافقاً مع حقيقة الحركات السماوية . ما فعله ابن الهيثم هو إثبات لمأزق أقرَّ به جميع العلماء الذين أتوا بعده . وقد جرى اقتراح نموذجين من الحلول بأنواعٍ شديدة الاختلاف . في الغرب الإسلامي ( الأندلس والمغرب ) حاولت مجموعة من علماء الفلك تقديمَ إجابات بالعودة إلى أسس أرسطو ، تمثّلت في التخلي عن أفلاك التدوير والدوائر مختلفة المركز التي اقترحها بطلميوس ، بهدف الرجوع إلى كُرات أرسطو متحدة المركز ، وهي أكثر تماسكاً من وجهة نظر العلم القديم في وصف